الإبداع والتميز في تخطيط المدن

إثراء الحركة الفكرية في مجال العمارة والتخطيط  العمراني  في المملكة العربية السعودية

د/ عبد الباقي محمد إبراهيم

رئيس مركز الدراسات التخطيطية والمعمارية – القاهرة

1-      مقدمة :

1-1     استمر التواصل الفكري والعلمي في مجال العمارة والتخطيط العمراني في المملكة العربية السعودية بعد انتهاء الفترة الأولى لمشروع الأمم المتحدة عام 1980م وذلك من خلال العديد من اللقاءات والمحاضرات والندوات التي عقدت تحت رعاية العاصمة المقدسة مرة أو رعاية جمعية علوم العمران مرة أخرى في مواقع مختلفة سواء في أمانة مكة المكرمة أو في جامعة أم القرى أو في الرياض أو في جدة الأمر الذي أدى إلى المشاركة في إثراء الحركة الفكرية في مجال العمارة والتخطيط العمراني. وكانت جميع المحاضرات أو اللقاءات تناقش موضوع العمارة الإسلامية ، والذي تحول مفهومها مرة عمارة المسلمين و أخيراً إلى مفهوم جديد ومدخل آخر وهو العمارة في الإسلام .

1-2     في بداية هذه اللقاءات تم استعراض الدراسات التي تمت لإنجاز الموسوعة الخاصة بأسس التصميم المعماري والتخطيط الحضري على مر العصور الإسلامية لصالح منظمة العواصم والمدن الإسلامية مع الإيضاح بأن العمارة في أي عصر هي إفراز لطبيعة هذه العصر سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً مع البحث دائماً عن المضمون الإسلامي في هذه العمارة حتى تتصف بالإسلامية واستمرت اللقاءات الفكرية بعد ذلك لعرض نماذج من المشروعات المعمارية والتخطيط التي تحمل الملامح الإسلامية وتربط الأصالة بالمعاصرة. وانتقل الحديث بعد ذلك إلى إشكالية العمارة بين الفردية والجماعية وكيف أن الإسلام وهو دين الوسطية قادر على حل هذه الإشكالية. وتنتقل الفكرة مرة أخرى إلى العملية التعليمية التي تتعامل مع هذه الإشكالية وما يتضمنه ذلك من فردية الإبداع وجماعية الطابع وتتطرق المناقشات في البحث عن النظرية الإسلامية في العمارة كنظرية علمية حيث أن الإسلام لا يحده زمان أو مكان فهو يعطي القيمة والمضمون وان اختلف الشكل باختلاف بيئة المكان .

1-3     ينتقل الفكر العمراني بعد ذلك من مجال العمارة إلى مجال التخطيط العمراني وما يمكن أن يقدمه الإسلام في هذا المجال خاصة في وحدة الجوار التي تعتبر الخلية التي تتكاثر خلال البناء العضوي للمدينة بحيث لا ينفصل بناء العمران عن بناء الإنسان في ظل القيم الإسلامية فالمدينة ليست حجارة وحديد ولكنها كيان عضوي يحركه الإنسان من خلال أدوات البناء والتعمير وهكذا يدخل الإسلام موجهاً لعملية التنمية العمرانية المستدامة .

2-      الأصالة والمعاصرة في الاغتراب :

2-1     لا تزال إشكاليات التحديث والتأصيل في التجارب المعمارية المعاصرة في البلدان العربية و تجليات الاغتراب في العمران العربي المعاصر محلاً للجدل والنقاش بين كثير من المفكرين والمعماريين وطالما طرحت هذه الإشكاليات في العديد من المؤتمرات والندوات التي حاولت إلقاء الضوء على مدى تأثير الثقافة الواردة من الغرب على موروثنا الحضاري والعمراني. والعمارة العربية والإسلامية كغيرها من الفنون التي تعرضت إلى موجات متلاحقة من الغزو الثقافي الغربي منذ العصر العثماني وخلال عصور الاحتلال وما واكبها من نفوذ أجنبي بدأت أول بوادره تظهر في عصر الخديوي إسماعيل في مصر عندما حاول أن يجعل من القاهرة قطعة من أوروبا فكانت دعوته لبعض المعماريين الفرنسيين والإيطاليين لتعمير امتداد القاهرة غرب المدينة التاريخية فشقت الشوارع العريضة على النمط الباريسي وأقيمت العديد من العمائر التي تحمل طراز عصر النهضة و الباروك كما تغيرت الأزياء الرسمية وشاع الزي الغربي في الأوساط الراقية ودخلت أيضاً الموسيقى الغربية عندما أقيمت دار الأوبرا لتقدم الأنغام السيمفونية و الأوبرالية. كما نفذت الثقافة الأوربية إلى كافة الفنون بكل أنواعها .. وهكذا بدأت تتغير الملامح الحضارية للإنسان العربي في مصر كما تغيرت ملامح العمارة والعمران فيها وانقطع تيار التواصل الحضاري مع الماضي الزاخر بإبداعاته الفكرية والأدبية والفنية والمعمارية ثم دخلت مصر بعد ذلك حقبة جديدة من تأثير الثقافة الغربية و وذلك من خلال التفاعل الثقافي الناتج عن إرسال البعثات في مختلف التخصصات إلى الغرب الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من قادة الفكر و الأدب و الفن   و العمارة الذين تأثروا بالحضارة الغربية و نقلوا ملامحها الثقافية إلى مصر وبالتالي إلى الدول العربية وهو ما أثار غيرهم من المفكرين والأدباء والمعماريين الذين نادوا للعودة إلى التراث العربي والإسلامي ينهلون منه في جميع المجالات الثقافية ومنها العمارة فبدأ البعض من المعماريين بالنقل الحرفي عن العمارة الفرعونية في بعض المباني العامة وبالنقل الحرفي عن العمارة الإسلامية في غيرها مع التبسيط والتنميط .

2-2     ثم بدأ الحوار الساخن بين المؤيدين لضرورة التفاعل مع عمارة الغرب باعتبارها عمارة عالية في عصر الاتصالات والمؤيدين لضرورة التعامل مع العمارة التراثية لربط الأصالة بالمعاصرة وهكذا اختلطت المفاهيم كما اختلطت المدارس الفكرية الأمر الذي انعكس بالتالي على المناهج المعمارية في الجامعات ومن ثم على الإنتاج المعماري الذي حول المدينة العربية بعد ذلك إلى كرنفال من الأشكال والألوان والطرز المعمارية. وفقدت المدينة بذلك هويتها الحضارية وشخصيتها العمرانية. وانتقلت العدوى بالتالي إلى المدن الأخرى في الدول العربية ، وظهرت آثارها في عمارة الخمسينات والستينات في كل من الكويت والمملكة العربية السعودية وسوريا والعراق وغيرها إلى أن بدأت عوائد النفط تجذب المعماريين من الغرب إلى المنطقة العربية مرة أخرى فظهرت العمائر التي تعكس في معظمها العمارة الغربية الحديثة وأصبحت الساحة العربية مثل السيرك يحاول المعماريون الأجانب أن يعرضوا فيه ألعابهم المختلفة فاختل التوازن العمراني للمدينة العربية مرة أخرى وساعد على ذلك قناعة الكثيرين من أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم من المعماريين العرب بهذا التيار الجارف الوارد من الغرب بحجة أن العالم قد أصبح قرية صغيرة لا مكان فيه للأصالة في عصر التكنولوجيا والأقمار الصناعية وأمام هذه الظاهرة قام قلة من المعماريين العرب في بداية الستينات يدعون إلى تأصيل القيم الحضارية في بناء المدن العربية المعاصرة وكان منهم حسن فتحي و عبد الباقي إبراهيم من مصر ومحمد مكية ورفعت الجادرجي في العراق وسبا شبر في الكويت وأخذوا على عاتقهم حملة التنوير الثقافي المعماري سواء بالكتابة أو النشر أو بالإنتاج المعماري الذي يربط الأصالة بالمعاصرة .. وامتدت هذه الحملة تنتشر في كافة البلاد العربية وتصل إلى قناعة متخذي القرار فيها من أصحاب رؤوس الأموال والمعماريين وبالأهمية الحضارية لهذه الدعوة وبدأت صحوة جديدة تحاول أن تعيد إلى المدينة العربية وجهها الحضاري الذي فقدته على مدى قرن من الزمان .

2-3     ومع هذه الصحوة الجديدة التي ظهرت آثارها في الثمانينات والتسعينات تسللت دعوات غربية جديدة تطرح النظريات التكنولوجية المتلاحقة في علوم البناء وهو ما يصدر بعد ذلك إلى العالم العربي ليظهر مرة أخرى في المنتج المعماري الحديث لذلك دعا  بعض المعماريين العرب وكان على رأسهم حسن فتحي إلى ضرورة البحث عن تكنولوجيا للبناء متوافقة مع البيئة المحلية والإمكانيات البشرية في العالم العربي وظلت هذه الدعوة حبيس الأدراج ولم تظهر آثارها على العمارة العربية المعاصرة كما لم تستطيع مواجهة الإنجازات المتدفقة من الغرب .

2-4     ومع كل هذه الصراعات الفكرية كانت العمارة الإسلامية دائماً هي المرجع والمنهل الرئيسي لتأصيل القيم الحضارية في بناء المدينة العربية المعاصرة وبدأ منهج التعامل مع التراث المعماري الإسلامي لمحاولة الحصول منه على الصيغة المعمارية الملائمة التي تتواكب مع متطلبات العصر . وانقسم هذا المنهج إلى ثلاث اتجاهات الأول وجد أن أنماط العمارة الإسلامية الموروثة والتي ثبتت نسبها الجمالية وإبداعاتها المعمارية يمكن إعادة صياغتها نصاً وروحاً في العمارة المعاصرة. وقد ظهر هذا الاتجاه جلياً في مجموعة كبيرة من المساجد التي أنشأت أخيراً في مدن المملكة العربية السعودية وتقبلها الرأي العام بالترحاب مع ما فيها من تناقضات إنشائية لا تتمشى مع العصر أما التوجه الثاني فظهر في أعمال العديد من المعماريين العرب الذين دأبوا على تحليل المفردات المعمارية التراثية بهدف الاقتباس منها في صياغة العمران المعاصر مع استثمار المنجزات التكنولوجية الحديثة في البناء .

2-5     أما التوجه الثالث فيرى أنه لا يجب اعتبار العمارة الإسلامية هي فقط ما انتج من معمار في فترة تاريخية محددة زمنياً بالعصور الإسلامية وفي حيز مكاني واحد محدد بالمنطقة الممتدة من شرق العالم الإسلامي إلى غربه الأمر الذي يخرج المفهوم الإسلامي في العمارة عن مضمونه باعتبار أن الإسلام حضارة لا يحدها زمان أو مكان وأن بها من المضامين والقيم المعمارية الثابتة التي لا تتغير بتغير المكان والزمان أما الشكل فهو العامل المتغير بتغير خصائص كل مكان وزمان ويسعى هذا التوجه إلى إعادة المنهج العلمي للبحث عن العمارة في الإسلام كبديل للبحث في العمارة الإسلامية بمفهومها التقليدي الذي رسخ في الأذهان ، من هذا المنطلق بدأ البحث في الأصول والنظم التي كانت سائدة في العصور الإسلامية المتتالية وعن مدى تأثيرها على الإنجاز المعماري فيها. كما بدأ البحث من ناحية أخرى في مراجعة آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية واجتهادات السلف الصالح بهدف استخلاص القيم الحضارية التي تبني الإنسان المسلم وأخذها بالقياس في بناء العمران هذا مع الأخذ بأساليب البناء الحديثة والمتطلبات المعاصرة التي لا تتعارض مع العقيدة مع تحديد الثوابت والمتغيرات في هذه الأطروحة .

3-      المنظور الإسلامي لتنظيم العمران :

3-1     من هنا يمكن أن تقف فكرة المنظور الإسلامي لتنظيم العمران في مواجهة النظريات المعمارية الغربية التي تتدفق تباعاً على المدينة العربية. وهذه النظريات الغربية مستمدة من تراثهم العلمي ومعتمدة على إنجازهم التقني. هذا الإنجاز الذي يقف دائماً المعمار العربي أو الإسلامي أمامه جامداً ومنبهراً به و لا يستطيع أن يقدم البديل الفكري أو النظري النابع من تراثه و حضارته. و البديل هنا لا تقع مسئوليته على المعماريين فقط بقدر ما تقع أيضاً على المفكرين والأدباء والعلماء والمثقفين والفنانين الذي يعبرون عن وجدان المجتمع الإسلامي العربي. هذا البديل الفكري الذي يسعى إلى تحقيق الأهداف التالية :

1-     البحث عن الذات كبديل للتبعية الثقافية والفكرية في العمارة والعمران .

2-     إعادة اكتشاف التراث الثقافي والعلمي الإسلامي وتوظيفه في النظرية المعمارية المعاصرة .

3-     تأكيد المرجعية الفكرية الإسلامية وإحيائها في العمران المعاصر .

4-     مواجهة الغزو الثقافي الغربي بإعادة الاعتبار للغة العربية .

5-     وضع النظرية الإسلامية في العمارة وتقديمها للعالم كنظرية عالمية .

6-     إطلاق الحرية في التعبير والإبداع في إطار القيم الإسلامية ومن خلال الموروثات المعمارية .

7-     التأكيد على أن العمارة في الإسلام هي منتج اجتماعي أكثر منه إنجاز فردي .

3-2           ولتحقيق هذه الأهداف في البناء الفكري لتنظيم العمران في الإسلام لابد من أخذ الحقائق التالية في الاعتبار :

1-  التقدم العلمي الذي أفرزه الغرب في فترة الضعف التي مر بها العالم العربي والإسلامي خلال مراحل الاستعمار أضعف القدرة على تقديم النظير له حتى أصبحت المراجع الغربية هي الموجه للفكر المعماري في العالم العربي .

2-  الموروث المعماري في فترات العصور الإسلامية كان معبراً عن الارتباط العضوي بين الإنسان والعمران الأمر الذي ظهر في حركة النمو العضوي للمدن وفي التجانس الشكلي للعمارة .

3-  اختلاط النظريات الغربية التي لا أثر للدين فيها بمضمون العمارة في الإسلام أثار الكثير من التناقضات الفكرية باعتبار أن الإسلام دين وحضارة وهو المرجع الأساسي في المنظور الإسلامي للنظرية المعمارية .

4-  الغرب يقدم النظريات المعمارية المتلاحقة ويغزو بها الفكر المعماري في العالم العربي في الوقت الذي لم يقدم فيه المعماري العربي النظرية البديلة فاصبح تابعاً ومتلقياً أكثر منه مبتكراً ومفكراً .

5-  النظريات الغربية لا تتضمن الجانب العقائدي أو الديني في الوقت الذي يدخل فيه الإسلام عنصراً هاماً في بلورة الفكر المعماري الإسلامي .

6-  الإنسان هو العنصر الغائب في النظرية المعمارية الغربية التي تعتمد على الإبداع الفردي دون مشاركة الجماعة أو المجتمع بكل مستوياته في الإنجاز العلمي للعمارة .

7-  الجدل الفكري لا يزال قائماً بالنسبة لوصف العمارة بالإسلامية وهل يصح أن يطلق عليها عمارة المسلمين أو إنهاء هذا الجدل بتعريف العمارة في الإسلام إذا كان هو السند الحضاري للمجتمع .

3-3           من هذه الحقائق الثابتة تنطلق النظرية الإسلامية لتنظيم العمران من الثوابت التالية :

1-  الإسلام لا يحده زمان أو مكان ويهدف إلى ما ينفع الإنسان في حياته الدنيوية و الأخروية ويدعو إلى التقدم العلمي و إعمال الفكر والتمعن في أسرار الكون بما يحدد المضامين الثابتة في العمران الإسلامي ، أما الشكل فهو يتغير بتغير الزمان ويرتبط بالجذور الثقافية للمكان وتبقى المفاهيم الإسلامية هي الدافعة لحركة المجتمع والمحركة لإبداعاته النابعة من الموروث المعماري .

2-  الإسلام هو حضارة تصل لكل العصور تبني الإنسان كما تبني العمران وفيها كل مقومات النظرية لتنظيم العمران التي لم يستكمل إكتشافها بعد وفيها المرجعية الثقافية البديلة للمرجعية الغربية .

3-  الإبداعات المعمارية في العالم العربي والإسلامي تتعاظم في حركة مستمرة وقبولها يرتبط بتفاعلها مع الجوانب الثقافية والبيئية والوظيفية والاقتصادية والاجتماعية التي تمثل مقومات النظرية الإسلامية في تنظيم العمران و الإبداع في العمل الفرد أو الجماعة. من هنا يظهر القوام الجماعي للنظرية التي يتمثل في كون العمارة من الداخل ملكاً للفرد و من الخارج ملكاً للمجتمع الذي يعيش بين جوانبها. الأمر الذي يثير الجدل بين الفردية في الإبداع والجماعية في التلقي أو بمعنى آخر إشكالية العمارة بين الفردية والجماعية الذي يتمثل في منهج الوسطية وهو ما ينعكس بالتالي على عملية بناء الفكر المعماري والعملية التصميمية ومشاركة المجتمع في التخطيط والتصميم العمراني .

4-  المد الحضاري بين الماضي والحاضر والمستقبل عملية مستمرة يصعب إيقافها كلياً أو جزئياً ويعتمد في ذلك على قوة الموروث الثقافي للمجتمع المرتبط دائماً بالموروث العمراني. فالحفاظ على الأول وتفعيله يرتبط بالحفاظ على الثاني وتطويره في بناء الشخصية المحلية للعمران وإن شابتها بعض المؤثرات الخارجية التي لا تتعارض مع البيئة الاجتماعية أو القيم الإسلامية .

4-  النظرية العمرانية في الإسلام :

4-1     من خلال الحقائق و الأهداف والمنطلقات السابقة يمكن التعرض لبعض جوانب النظرية العمرانية في الإسلام من واقع ما يرد في آيات القرآن الكريم و الأحاديث النبوية الشريفة إبتداء من تعريف وحدة الجوار كخلية اجتماعية عمرانية في بناء المدينة الإسلامية المعاصرة أو من تطبيق مفهوم التكافل الإسلامي في مشروعات الإسكان أو من تحرير المضامين التصميمية في البناء كما في تصميم المساجد أو تصميم المساكن أو غيرهما من المباني. وينبع تعريف وحدة الجوار في المدينة الإسلامية من تفسير الحديث النبوي الشريف "ألا إن أربعين دار جار " وأشار في ذلك إلى الجهات الأربعة ومن ذلك يمكن استخلاص  شكل وحدة الجوار بأبعادها الهندسية الثابتة وبكثافتها السكانية المختلفة لتصبح بمثابة الخلية في بناء جسم المدينة الإسلامية على مدى مراحل نموها المستمرة بصورة متكاملة. وكان ذلك مدخلاً لاستنباط النظرية الإسلامية في التنمية العمرانية شاملة مرحلية الاستيطان البشري المتكامل وتطبيق التكافل في مشروعات الإسكان ومراجعة أسلوب تقسيم الأراضي بما يسمح لهذا التكافل لأن يضفي الطابع العمراني المتجانس ، وقد نبعت نظرية التكافل في مشروعات الإسكان وعدم الفصل بين الطبقات من خلال الآية الكريمة {أهم يقسمون رحمة ربك. نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} وفي ذلك دعوة لعدم التفرقة بين الطبقات في التجمعات السكنية وتأكيد المزج الاجتماعي فيها وتطبيق مبدأ التكافل بين المسلمين حتى يصبح بناء الإيواء لمن لا مأوى لهم جزءاً لا يتجزأ في عملية التنمية العمرانية المتكاملة يتحمله الأغنياء عن الفقراء باعتباره مصرفاً للزكاة .

4-2     وتنتقل النظرية بعد ذلك لتتضمن القواعد الفقهية التي تحكم تصميم المسجد في كل زمان ومكان مع اختلاف القواعد التقنية والجذور الثقافية التي تؤثر على الشكل المعماري في البيئات المختلفة فالقواعد التصميمية الثابتة تحث على عدم قطع صفوف المصلين بكثرة الأعمدة وتوفير رؤية الخطيب و إعطاء الصفوف الأولى الأفضلية ، وكما جاء في الحديث النبوي الشريف " لو يعلمون ما في الصف المقدم لاستهموا ". كما إن تصميم المسجد ليس للتفاخر والتباهي كما في الحديث النبوي الشريف " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " وكما قال أنس " يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً " والمسجد ليس مكان للزخرف كما في الحديث الشريف " إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار لكم " ويبقى منهج الوسطية هو المتحكم في هذه النظرية. ومن الناحية التخطيطية يبقى مبنى المسجد في قلب النسيج العمراني للمدينة وليس منفصلاً عنه أو على أطرافه أو خارجه تماماً كما هو في قلب النسيج الاجتماعي الذي يلتف حول المسجد كمركز للنشاط الاجتماعي والثقافي والديني داخل وحدة الجوار .

4-3     وكذا تبدأ المحاولات للبحث عن جذور النظرية التخطيطية والمعمارية من نصوص القرآن الكريم والسنة المحمدية ويستمر البحث بعد ذلك في أقوال السلف الصالح وفي النظريات العلمية لعلماء المسلمين ومن الموروث العمراني في المدن الإسلامية كمرجعية ثقافية وفكرية تحرك النظرية الإسلامية وتقدمها للعالم كدليل على قدرة المعمار المسلم على استنباط النظريات المعمارية كما يفعل أقرانه في دول الغرب بنفس المنهج والأسلوب مع اختلاف المحتوى والمضمون. هكذا يكون المنهج العلمي لمواجهة إشكاليات التحديث والتأصيل و تجليات الاغتراب في العمران العربي وحتى تعود للامة الإسلامية والعربية مقوماتها الحضارية التي فقدت معظم ملامحها الثقافية والعمرانية خلال فترات الغزوات العسكرية وما تبعها من غزوات ثقافية واقتصادية. وفي ذلك دعوة إلى تأصيل القيم الحضارية في بناء العمران الجديد بأبعاده التخطيطية والمعمارية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية .

5-     دور المؤسسات في رسم العمران :

5-1     وعلى الجانب الآخر في الصورة لا يمكن إغفال دور المؤسسات البلدية والمحلية في رسم الصورة العمرانية للمدينة العربية المعاصرة وذلك من خلال تطبيق القواعد ونظم البناء الغربية والتي شكلت نسيجها العمراني وذلك بعد أن انتهى العصر الذي كان فيه المحتسب هو المسئول عن التوازن العمراني للمدينة الإسلامية حيث كان يقوم بمراقبة أعمال البناء والاطمئنان على توفير الخصوصية المعمارية للشارع والتأكد من صلاحية مواد وأسلوب البناء والحرص على توفير الخصوصية الداخلية للمباني معتمداً على الأعراف والتقاليد التي رسخت بدورها في مجتمع المدينة. وإذا ما وقف إمام المخالفات في أعمال البناء أو أمام المنازعات بين أصحاب العقارات فكان يرد ذلك إلى القاضي الذي طالما يحكم بمبدأ " لاضرر ولا ضرار " وبالمرجعية الفقهية للأحاديث النبوية ومآثر السلف الصالح. هذا بالإضافة ما كان للمحتسب من مهام أخرى في التفتيش على الأسواق و درأ الأذى عن الطريق والحفاظ على سلامة الحي من الأخطار البيئية والاستعمالات الضارة بالسكان .

5-2     وهكذا احتفظت المدينة الإسلامية بهذا الأسلوب بشخصيتها العمرانية حيث كان التفاعل المتوازن بين الأطراف الثلاثة المتمثلة في أدوار المحتسب وحكم القاضي وقناعة المجتمع أو الجماعة بالقواعد التنظيمية النابعة من المضمون الإسلامي الأمر الذي لم يعد له أثر في أحكام الطابع المعماري للمدينة العربية والإسلامية المعاصرة حيث تم استيراد نظم البناء من الغرب فيما يخص الارتفاعات والمقاسات المحددة للفراغات الداخلية والتي تطبق على المستوى العام لكل المدن والقرى دون تمييز بين بيئة وأخرى.

و دون التطرق إلى قواعد التشكيل الخارجي للمبنى الذي هو ملك الجماعة ودون اعتبار للطابع المعماري للمكان أو للمقياس الإنساني في الفراغات . فجاءت نظم البناء بهذه الصورة المستوردة قاصرة على إيجاد التوازن والطابع العمراني للمدينة العربية المعاصرة الأمر الذي يتطلب مراجعة هذه النظم وغيرها من اللوائح من المنظور الإسلامي في تنظيم العمران مع إعادة النظر في إيجاد صيغة معاصرة لدور كل من المحتسب والقاضي في مراقبة أعمال البناء والتعمير حتى يستكمل المنظور الإسلامي لتنظيم العمران فعاليته في الواقع الملموس في إعادة التوازن العمراني للمدينة العربية وربط الأصالة بالمعاصرة ومواجهة ظاهرة الاغتراب في العمران العربي .

عودة للصفحة الرئيسية

 

التصميم والتطوير تحت إشراف إدارة الحاسب الآلى بوكالة الأشغال العامه - جميع الحقوق محفوظه 2002